ابن أبي الحديد
63
شرح نهج البلاغة
ليس مستفادا من الكلام ، وهو أنه ( 1 ) قال : إن ذلك موجود في الكلام . فأما قوله : لو كان قال : أحمد الله لم يعلم منه جميع ذلك ، فإنه لا فرق في انتفاء دلالة " أحمد الله " على ذلك ودلالة " الحمد لله " ، وهما سواء في أنهما لا يدلان على شئ من أحوال غير القائل ، فضلا عن دلالتهما على ثبوت ذلك ودوامه في حق غير القائل . وأما قوله : الله أخص من الاله ، فإن أراد في أصل اللغة ، فلا فرق ، بل الله هو الاله وفخم بعد حذف الهمزة ، هذا قول كافة البصريين ، وإن أراد أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون على الأصنام لفظة " الآلهة " ولا يسمونها " الله " فحق ، وذلك عائد إلى عرفهم واصطلاحهم ، لا إلى أصل اللغة والاشتقاق ، ألا ترى أن الدابة في العرف لا تطلق على القملة ، وإن كانت في أصل اللغة دابة ! فأما قوله : قد أظهر العجز عن القيام بواجب مدائحه فكيف بمحامده ! فكلام يقتضى أن المدح غير الحمد ، ونحن لا نعرف فرقا بينهما . وأيضا فإن الكلام لا يقتضي العجز عن القيام بالواجب ، لا من الممادح ولا من المحامد ، ولا فيه تعرض لذكر الوجوب ، وإنما نفى أن يبلغ القائلون مدحته ، لم يقل غير ذلك . وأما قوله : الذي حقت العبادة له في الأزل واستحقها حين خلق الخلق ، وأنعم بأصول النعم فكلام ظاهره متناقض ، لأنه إذا كان إنما استحقها حين خلق الخلق ، فكيف يقال : إنه استحقها في الأزل ! وهل يكون في الأزل مخلوق ليستحق عليه العبادة ! واعلم أن المتكلمين لا يطلقون على الباري سبحانه أنه معبود في الأزل أو مستحق للعبادة في الأزل إلا بالقوة لا بالفعل ( 3 ) ، لأنه ليس في الأزل مكلف يعبده تعالى ، ولا أنعم على أحد في الأزل بنعمة يستحق بها العبادة ، حتى إنهم قالوا في الأثر الوارد : " يا قديم
--> ( 1 ) ب : " وهو إنما " . ( 2 ) ساقطة من ب . ( 3 ) أ : " ولا بالفعل " .